بقلم: محمد الشافعى
منذ عقود طويلة، نصّبت الولايات المتحدة نفسها وصيّة على العالم، تمنح وتمنع، تحاكم وتعاقب، وتقرر من يحكم ومن يُقصى، غير عابئة بقانون دولي ولا بسيادة دول، وكأن العالم مزرعة مفتوحة لمصالحها ونفوذها.
تغيّر الرؤساء في واشنطن، وتبدّلت الشعارات، لكن المنهج واحد لا يتغير: الهيمنة أولًا، والمصلحة الأمريكية فوق كل اعتبار. سياسة تُدار تارة عبر الضغوط الاقتصادية والعقوبات، وتارة أخرى عبر الانقلابات والفوضى، وإن لزم الأمر فالقوة المباشرة.
والواقعة الأخيرة المتعلقة بخطف رئيس فنزويلا تمثل نموذجًا صارخًا لهذه العقلية الاستعلائية. صحيح أن الخيانة الداخلية كانت العامل المساعد على نجاح العملية، لكن الكارثة الحقيقية تكمن في سهولة اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، دون مقاومة تُذكر، ودون أن يتحرك ما يُسمى بالضمير الدولي أو مؤسسات العدالة العالمية.
العجيب أن عملية بهذا الحجم، لو كانت تستهدف رجل أعمال في دولة هامشية، لقوبلت بحراسة مشددة واشتباكات وربما دماء، أما رئيس دولة فاختُطف وكأن الأمر لا يعني أحدًا. وهنا يتأكد أن المعايير لا تُقاس بالقانون، بل بميزان القوة.
الأدهى والأمر أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بالاختطاف، بل خرجت علينا بخطاب المحاكمة والإدانة، وكأنها المدعي العام والقاضي والحَكم، لا لذنب ارتُكب، بل لأن رئيس فنزويلا رفض بيع ثروات بلاده من البترول والمعادن بثمن بخس، أو تسليمها بلا مقابل كما اعتادت واشنطن أن تفعل مع غيره.
لكن الصدمة الأكبر، والمؤلمة بحق، هي مشاهد الفرح والاحتفال التي صدرت عن قطاع من الشعب الفنزويلي، احتفاءً باختطاف رئيس دولتهم، غير مدركين أن ما حدث ليس انتصارًا لهم، بل إهانة لسيادتهم، وصفعة لكرامتهم الوطنية، وفتح لباب الوصاية الأجنبية على مصراعيه.
إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس العدوان الخارجي وحده، بل غياب الوعي الداخلي، حين يصفق الشعب لانتهاك سيادته، ويبرر التدخل في شؤونه، ويغفل أن من يقبل الوصاية اليوم، لن يملك غدًا قرارًا ولا وطنًا.
وما يحدث في فنزويلا رسالة واضحة لكل من لا يزال يظن أن أمريكا راعية للحرية والديمقراطية: الحرية لديهم تُمنح لمن يخدم مصالحهم فقط، والديمقراطية تسقط فور تعارضها مع أطماعهم.
إنها وصاية بالقوة… لا بالقانون.